أحمد بن علي القلقشندي
309
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
من المآثر أعظم الأقاليم خطرا ، وأجلَّها قدرا ، وأفخمها مملكة ، وأطيبها تربة ، وأخفّها ماء وأخصبها زرعا ، وأحسنها ثمارا ، وأعدلها هواءا ، وألطفها ساكنا . ولذلك ترى الناس يرحلون إليها وفودا ، ويفدون عليها من كل ناحية ، وقلّ أن يخرج منها من دخلها ، أو يرحل عنها من ولجها مع ما اشتملت عليه من حسن المنظر ، وبهجة الرّونق لا سيما في زمن الربيع ، وما يبدو بها من الزروع التي تملأ العين وسامة وحسنا ، وتروق صورة ومعنى . قال المسعوديّ ( 1 ) : وصف الحكماء مصر فقالوا : ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء ، وثلاثة أشهر مسكة سوداء ، وثلاثة أشهر زمرّدة خضراء ، وثلاثة أشهر سبيكة حمراء . فاللؤلؤة البيضاء ، زمان النيل ، والمسكة السوداء ، زمان نضوب الماء عن أرضها والزّمرّدة الخضراء ، زمان طلوع زروعها ، والسّبيكة الحمراء ، زمان هيج الزرع واكتهاله . وقد قيل : لو ضرب بينها وبين غيرها من البلاد سور ، لغني أهلها بها عما سواها ولما احتاجوا إلى غيرها من البلاد ، وناهيك ما أخبر اللَّه تعالى به عن فرعون مع عتوّه وتجبّره وادعائه الربوبية بافتخاره بملكها بقوله : * ( أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذِه الأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ ) * ( 2 ) . قال ابن الأثير ( 3 ) في « عجائب المخلوقات » ( 4 ) : وهي إقليم العجائب ،
--> ( 1 ) هو علي بن الحسين بن علي ، أبو الحسن المسعودي ، من ذريّة عبد اللَّه بن مسعود : مؤرخ رحالة بحاثة من أهل بغداد . أقام بمصر وتوفي فيها سنة 346 ه . أشهر تصانيفه « مروج الذهب » ( الأعلام : 4 / 277 ) . ( 2 ) سورة الزخرف / 51 . ( 3 ) في كشف الظنون : ص 1127 : « عجائب المخلوقات لزكريا بن محمد بن محمود الكوفي القزويني وابن الأثير الجزري المتوفى سنة 630 ه . سماه تحفة العجائب » ولعل القلقشندي قد أخطأ في نسبة هذا الكتاب . ( 4 ) في كشف الظنون : ص 1127 : « عجائب المخلوقات لزكريا بن محمد بن محمود الكوفي القزويني وابن الأثير الجزري المتوفى سنة 630 ه . سماه تحفة العجائب » ولعل القلقشندي قد أخطأ في نسبة هذا الكتاب .